عقار الرسام إجناسيو زولواغا الواقع على ضفاف النهر عند مصب نهر أورولا، والذي بُني بين عامي 1910 و1921 على أراضي دير سانتياغو القديم، حيث تحتفظ بلدة صيد صغيرة بأعمال فنية لإل غريكو، وغويا، وسورباران، ورودان. وبجانبه تقف صومعة سانتياغو (Ermita de Santiago) التي تعود للعصور الوسطى، وهي كنيسة للحجاج على طريق "كامينو دي سانتياغو ديل نورتي" حيث كان المسافرون ينتظرون قديماً معدية لنقلهم عبر المصب.
أهلاً بك في زوميا، وأهلاً بك عند أقصى حافتها. نحن نقف عند مصب نهر أورولا، حيث تنهي المياه رحلتها القادمة من الجبال لتسلم نفسها أخيراً إلى بحر كانتابريا. على جانب منك، تتنفس المستنقعات المدية مع البحر؛ وعلى الجانب الآخر، يمتد المنحنى اللطيف لشاطئ سانتياغو. وبينما، خلف هذه الجدران، يكمن واحد من أكثر الأشياء التي لا تُصدق في هذا الساحل: بلدة صيد باسكيّة صغيرة تحتفظ بهدوء بلوحات لإل غريكو وغويا وسورباران، وتمثال لرودان.
تأمل هذا للحظة. هذه ليست مدريد، وليست باريس. هذه بلدة يقطنها بضعة آلاف من الناس عاشوا لقرون على صيد سمك القد وصيد الحيتان وحركة المد والجزر. ومع ذلك، فهنا عند مصب النهر، توجد روائع فنية تود نصف متاحف أوروبا الكبرى امتلاكها. كيف انتهى بها المطاف هنا؟
الإجابة لها اسم: إجناسيو زولواغا. وُلد زولواغا في إقليم الباسك عام 1870، وأصبح واحداً من أشهر رسامي عصره، رجلاً تنقل في باريس مطلع القرن العشرين كصديق وندّ لرودان، وتولوز لوترك، ومونيه، ومانيه، وحتى بيكاسو الشاب. صوره لمصارعي الثيران الإسبان والغجر والجميلات جعلته مشهوراً من لندن إلى نيويورك. كان بإمكانه بناء ملاذه في أي مكان في العالم، لكنه اختار مصب هذا النهر في زوميا.
بين عامي 1910 و1921، اشترى زولواغا هذا الامتداد من الكثبان والمستنقعات، على أراضي دير قديم مخصص لسانتياغو، وبنى العقار الذي تراه أمامك ليكون منزله الصيفي ومرسمه. انظر إلى الموقع الذي اختاره. ليس في أعلى البلدة، وليس خلف جدران حجرية، بل هنا حيث ينعكس الضوء عن المياه مرتين، مرة من السماء ومرة بارتداء من البحر. يطارد الرسامون الضوء كما يطارد البحارة الرياح، وقد أدرك زولواغا أن هذه الزاوية من الساحل تتمتع بنوعية ضوء تستحق أن يبني حياته حولها.
في الداخل، المجموعة التي جمعتها عائلته مذهلة. وإلى جانب لوحاته، توجد أعمال لإل غريكو وغويا وسورباران ورودان، جُمعت مع قطع اقتنتها زوجته فالنتين ديتوما، وكنوز ورثها عن والده بلاسيدو، الذي كان بدوره أستاذاً في تشكيل المعادن. إنها مجموعة عائلية حقاً، ثلاث أجيال من الذوق والسفر، أُعيدت إلى بلدة صيد. المتحف موسمي، لذا اعتماداً على وقت زيارتك قد تتمكن أو لا تتمكن من الدخول اليوم، لكن مجرد معرفة ما يكمن خلف هذه الجدران سيغير نظرتك للمكان بأكمله.
الآن وجه اهتمامك إلى الكنيسة الحجرية الصغيرة بجوار العقار، فهي أقدم من الرسام، وأقدم من المجموعة الفنية، وأقدم من أي شيء آخر ستراه اليوم. هذه هي صومعة سانتياغو. بُنيت في العصور الوسطى على كثيب رملي على الضفة اليمنى للمصب، ويعود أقدم سجل مكتوب لها إلى أوائل القرن الخامس عشر. لاحظ التفاصيل على واجهتها، والفتحة المستديرة، والنافذة المدببة ذات القوسين، وهي أدلة صغيرة تكشف مدى عراقة هذا المبنى الصغير.
إليك الجزء الذي أحبه. لم تكن هذه الكنيسة مكاناً للصلاة فحسب. كانت نقطة توقف على طريق "كامينو دي سانتياغو ديل نورتي"، طريق الحج الساحلي إلى سانتياغو دي كومبوستيلا، والذي لا يزال يمر مباشرة من حيث تقف. في الأيام التي سبقت الجسور، كان الحجاج والمسافرون القادمون على طول الساحل من غيتاريا يصلون إلى هنا، إلى حافة المياه، ولم تكن هناك وسيلة للعبور سوى بالقارب. لذا كانوا يحتمون بصومعة سانتياغو وينتظرون، أحياناً لساعات، حتى يأتي المعدّي ليجدف بهم إلى البلدة على الضفة المقابلة. تخيلهم: مغبرين، متعبين، يتمتمون بصلواتهم لسانتياغو، يراقبون المد والضوء على الماء، في انتظار قارب صغير. لستمائة عام وقفت هذه الكنيسة المتواضعة بالضبط عند النقطة التي يلتقي فيها طريق اليابسة بالبحر ويضطر للوقوف.
وعندما وصل زولواغا في أوائل القرن العشرين، لم يهدمها ولم يزيحها. اشترى الصومعة القديمة ومنزل حارسها مع الكثيب، ودمجهم في عقاره. بل إنه أعطى الكنيسة حياة ثانية كعمل فني. منذ عام 2012، تعرض الصومعة بشكل دائم منحوتتين رائعتين، "المسيح على الصليب" لجوليو بيوبيد و"الأم الحزينة" (Dolorosa) لكينتين توري، وكلاهما ملون بيد زولواغا نفسه. هكذا انتهى الأمر برسام الصالونات الباريسية منحنياً فوق صليب خشبي في كنيسة حج تعود للعصور الوسطى بجانب البحر، مضيفاً ألوانه الخاصة. هذه هي زوميا بالنسبة لك، فن رفيع وإيمان شعبي، جنباً إلى جنب، وكلاهما يواجه المياه.
لأن هذا هو الخيط الذي أريدك أن تحمله معك ونحن نسير. كل شيء هنا في زوميا تشكل بفعل شيئين: الحجر والبحر، وبفعل التقائهما. أعطى البحر للصيادين رزقهم وللحجاج عقبتهم. وأعطاهم الحجر المأوى، والكنيسة، والبلدة، وفي نهاية المطاف القصور. وهذا البحر نفسه، وهذا الضوء الفضي السخي المنعكس عن المصب، هو بالضبط ما جذب زولواغا وروائعه إلى هذه البقعة بالذات. لم تغذِّ المياه هذه البلدة فحسب، بل جعلتها جميلة بما يكفي لجذب الفنانين أيضاً.
ألقِ نظرة أخيرة باتجاه البحر قبل أن نمضي قدماً، ودعني أزرع بذوراً لما ستنتهي إليه هذه الرحلة. ذاك البحر والضوء نفسهما اللذان وقع زولواغا في حبهما هنا كانا يفعلان شيئاً آخر على طول هذا الساحل، بصبر، لملايين السنين. على مسافة قصيرة إلى الشمال الغربي، بعيداً عن الأنظار الآن، شقّت الأمواج المنحدرات وكشفت عن جدار من الصخور المائلة، سجلاً مخططاً كبيراً للزمن السحيق. البحر الذي ألهم الرسام هو البحر نفسه الذي نحت تلك المنحدرات، وفي نهاية رحلتنا سنقف عند أقدامها ونقرأ، في سطر رقيق واحد من الطين، اليوم الذي ماتت فيه الديناصورات.
لكن هذا زمن سحيق، وسنصل إليه. أما الآن فنحن لا نزال في زمن الإنسان، في قصة الناس الذين عاشوا وعملوا وصلوا عند حافة المياه. لذا دعنا نترك الرسام مع ضوئه ونتبع النهر قليلاً، نحو الميناء وذكرى صياد أصبح بطلاً.
هذه هي المحطة الأولى، داخل الجولة نفسها. المحطات الـ 7 المتبقية والخريطة والمسار بينها تُفتح بحساب مجاني واحد.
واصل الجولةالجولة المكتوبة مجانية.
شكراً لك! تم إرسال بلاغك.
ساعدنا في التحسين من خلال الإبلاغ عن أي مشاكل تلاحظها.